الدبُ الأسود لا يطرق الباب

” نص في وصف الاكتئاب”

أتذكر الليلة التي دخل بها علينا دب أسود. لم يطرق الباب، لم يستأذن مرّ أمامنا كالشبح، تخطانا جميعاً وذهب ليعانق أخي.لم يكن الدب ودوداً كما في أفلام الكرتون، كان بائساً غاضباً تعيساً كئيباً قبيحاً، منتوف الشعر وفاقد الأسنان، كان يبدو حزيناً على نحو مزرٍ.

كلفنا دخوله المشؤوم الكثير، لم يكتف بدخوله وحيداً بل صحب معه غيمة رمادية ضللت بيتنا السعيد الذي لم يعد سعيد.

أتذكر أخي ذبوله السريع ونوبات البكاء التي تشق سكينة الليل. أتذكر الأيام التي  جلسنا بها على الكراسي الحديدية الباردة في الممرات البيضاء نحمل قلوباً ثكلى يفطرها ألم العجز. أتذكر أخي الذي كان يتجول أمامنا بخطى ثقيلة بصحبة الدب المتطفل .أتذكر انكسار أبي أمام  أبواب الأطباء بشماغه الأحمر الذي كان يسيل على رأسه حُزناً وحيرة .

جميعنا وقعنا في الفخ ولكن قوة الارتطام بالحقيقة هي من شكلت فرقاً للتصالح مع هذا الألم الجديد .كانت أحاديث الأطباء التي لاتعدنا بشيء والتشخيص المتغير لحالته في كل مرّة نزورهم بها تثير  غبار الأسئلة وتعصفُ بالاطمئنان، وغيرها الكثير من الأمور التي كانت تهوي بنا في صدعِ عميق بلا قرار.

لم نكن نملك إلا أن نتسلق نحو الأمل بأيدِ مرتجفة ونحن نرجو في سرّنا أن يغادرنا الدب. طرقنا جميع الأبواب وسلكنا جميع السُبل التي عرفناها ولم نعرف، اهتزت أركان البيت وبقي صامداً محراب أمي الذي كانت تعقد به التسبيحات وتجدل الأدعية مع الكثير من الدموع. كان محرابها هو الركن الوحيد الآمن الذي نهرع إليه عندما يصيبنا الفزع.

 أصيبت أيادينا بالفتور وآثرت الانسحاب البطيء وانتهت بالاستسلام آخر الأمر، لم يعد يجدي رمي حبالنا نفعاً لاقتلاع الشوكة السوداء من ظهر أخي. كانت تكبرُ يوماً عن يوم يحميها الدُب وتحميه.

لم تعد أصابعنا وفيّة أيضاً، صوبناها نحو بعضنا البعض وأطلقنا الاتهامات جزافاً، كل منا يريد أن يزيل عن كاهله ذنب من ترك الباب مفتوحاً تلك الليلة.

جرّحتنا الاتهامات وفتشنا في صور الذكريات التي كنا نراها مضحكة أسباباً لسقوطنا في هذا الوحل، كان الطريق وعراً وشائكاً للعبور من تلك الأزمة، ظل الدب يطعمه الخوف والوحدة، ينام طويلاً ويغطيه برداء الليل كي لا يصحوا، تمرّ الأيام وهو بلا نهار بلا ضوء سوى تلك الشعلة التي تقف على حافة سيجارته.

حينما كان ينظر إلي بعينين زجاجيتين ويسألني: هل سأنجو؟

كنت أهز رأسي والمطر يهطل على وجهي ألعنُ في سرّي فطر اليأس الذي بات يكتسح الحوائط والوجوه وحتّى الأصوات. لم يعد صوتي صلباً كما كان، كان أضعف من أن يحمل الوعد الهزيل بالنجاة.

في اللحظات التي نفتحُ فيها النوافذ وتدخل نحونا الشمس نعرف أن الدُب غادر ليطعم صغاره. كنا نقيم احتفالا مصغراً  بابتسامات أخي، يقفز على سريره الأطفال ويخرجُ للقاء الأصدقاء، وحينما يعود من الخارج وبفمه صمتُ مُر نعرف بأنه قد عاد معه. فتنطفئ المصابيح ويذهب الأطفال مبكراً للنوم وتنتهي الحفلة.

كان الدُب يسلك طرقاً ملتوية عند الذهاب ويوزع الطُعم في بيوتُ أخرى. فقد عرفنا بالصدفة بوجود ثعلب أحمر في بيت جارنا، ونمسُ رماديّ في بيت أحد الأقرباء، كانت الحيوانات المتطفلة قد غزت البيوت وأطلقت فوقها غيوماً سوداء ورمادية وحمراء.

قبل أيام اختفى الدب! ظننتُ أنه قد عقد معنا هدنة، أو ربما جرفه سيل الأدعية بعيداً وظل الطريق أو ربما اتحدت جيوش العقاقير أخيراً وحاصرته خارج السور. كنا قد لاحظنا في الآونة الأخيرة أنهُ ضعف كثيراً وكان يتأخر عند العودة وحينما غاب أكثر من المعتاد دعونا الله كثيراً أن يكون قد مرض بعيداً عنّا ومات.

تبسّمت وجوهنا المتيبسة وابتلّت بالفرح عندما خرج أخي علينا بوجهِ حليقِ. وبابتسامة الناجي من الحرب ألقى علينا التحيّة وارتدى ثوبه الأبيض، وخرج للقاء صديقه بفرح كان قد غاب عنهُ منذ زمن بعيد.

عاد أخي من حربه ناجياً وأقفلنا الباب الموارب، رحل الدب.

ندعو الله ألا يعود الدب.

هيفاء المحمادي

 أكتوبر 18, 2021

“مُتعذر الإصلاح”

كائن معطوب تماماً، متعذر الإصلاح، يشغل حيزاً كبيراً من الفراغ وإن كان الوسع كالمدى، قلقُ ومقلق، جاهل ويُجهل عليه، الانقطاع المستمر ديدنه، حتى في المشي يعجز أن يسلك الدرب بخطوات متتابعة بدون أن يحشوها بتردد مقرف.
كان لابد من صفعة توقظ قلبه المدفون بين تراكمات الشحم والسوائل، ولكن حرارة الصفعة بردت بين طيّات الجلد المتكدس والظلام الأبدي.
لاينبغي للمرء أن يُحارب نفسه بكل هذا الجيش المزمجر، أن يُسلط عليه جميع فوهات الأسلحة وقاذفات القنابل والبراكين. الإنسان أهش من قشرة! يكفي أن تحترق كرامته ليصبح منتفخاً كحوتِ نافق ، ولكنه مُستمر ككابوس لاينتهي !
أعجز أحياناً عن فهمه، أفكر كيف بإمكانه حمل تلك الأشياء فوق رأسِه المتقرّح ،كيف بإمكانه رفع يديه البليدتين نحو كأس الماء التي يعجز بها عن حكّ جلده .
يا للبؤس والخواء ربما كان الموتُ منصفاً للمتعفنين في أجسادهم ، للمخذولين والضعفاء وفقراء الحظ، الحياة ليست لعبة المهرجين الباكين، الحياة ليست الكرة لمبتوري الأقدام والمجذومين .
الحياة وردة بيضاء في الأيدي الناعمة، وصبّارة شرسة تقضم أصابع الفلاحين المطاردين من الكلاب المسعورة .
لا أريدك أن تثق، احذر أن تثق، ليس لجسدك جَلَدُ ولا حيلة، هزائمك المستمرة في غنى عن مصائب أكبر، ابق في الظل ولأني أكترث لأمرك أفضّل أن تختار سور المقبرة مكاناً و شجر السِلم متكئاً ومقاماً ،ذلك أأمن لك من الوقوع في حُب غيمة لن تنجب لك المطر.

إبق هنا وادعوا الله كثيراً بأن تتحول لفمِ كبير وتبتلع نفسك، لا أعدك بأنك ستكون شهياً ولكنك ستختفي

ويالجمال هذا الخيال!

اللوحة للفنّان : أحمد حدّاد

حياة إفتراضية في مجلة “أيكيا”

لم يكن الحال كما هو عليه الآن في التسعينات الميلاديّة،كانت بدايات المراهقة تتشكل في صورة مختلفة تماماً عن الوضع الحاليّ، ولأني كبرتٌ في عصر كان إستخدام الصورة مقنناً لضعف المصادر، والمحتوى المرئي عامة لم يكن متوفراً بالإزدحام الذي يجعلنا الآن نتثائب من فرط التكرار والملل.
كان إستخدام صورة واحدة فوق المقال أو في وسط صحيفة تعجّ بالكلمات مفتاحاً ذهبياً لشدّ الإنتباه والركض لرفّ الجرائد والصحف الموجودة في بقالة الحيّ، ولعل المجلّة التي تضع على صورة الغلاف الشخصية الأكثر بروزاً في المجتمع هي من ينتفخ جيب مؤسسيها كل نهاية شهر.كان الفضول يكلفنا دفع الكثير من الأموال لرؤية صوراً أكثر وقراءة مايشبع فضولنا من الحوارات الشخصيّة للممثلين والفنانين والشعراء،ونمضي بقية الشهر في تكرار قراءة كافة المواضيع المطروحة سياسية كانت أم اقتصادية وحتى ينتهي بنا الأمر لتصفح قسم الموضة والديكور والطبخ .
ولأن المجلات كانت تصدر شهرياً كنا نعاني من شحّ الأشياء التي تسدّ فراغاتنا فكنا نتلقف بالأيدي كل مايشبهها وإن كان المحتوى بعيداً عن المراد أو خارج منطقة تغطيّة المكان .
في الإجازات الصيفيّة حينما كنا نذهب للمبيت في بيوت الأقارب كانت هوايتي المفضلة البحث عن المخزن فأقتنص الوقت الذي يخلد فيه الناس الى النوم أو أصحو أبكر من المعتاد لأفتش فيهاعن الأكياس والكراتين التي تكدست بها المنشورات والمجلاّت القديمة وأغرق في القراءة متجاهلة الجوّ الحار والأرفف المغطاة بالغبار.
كانت المنشورات تأخذني لمكان آخر أبعد من تلك الغرفة المتكدسة بالأغراض القديمة كان يروق لي التجول كل صباح في متاجر أيكيا،لأتأمل الأريكة الصفراء والأباجورة الطويلة التي تسكب عليها الضوء بفتنة،أراقب الفوضى المرتبة التي كانت بعيدة تماماً عن الفوضى التي تسكن بيوتنا وقتها،كنت أغرق تماماً في وصفهم لأثاث غرفة المعيشة بالرغم من أن الصور كانت غالباً كثيرة ومزدحمة لتشمل أكبر عدد من المنتجات الا أن وصفهم لها كان يأسرني فلم تكن تعيقني قراءة الكلمات المتراصّة بخطّ هزيل في حاشية الصفحة ولم تكن تؤذيني صعوبة التقاط رقم المنتج والبحث عن الوصف في صفحة أخرى في آخر المجلّة وذلك لأن الصفحة لم تسعه لينفى بشكل حزين لآخرها.
بعد قراءة الوصف وتأمل الصورة أجد نفسي وقد انتقلت لغرفة المعيشة تِلك ..
سجادة برسومات هندسية بالأبيض والأسود يفترش عليها طفل يرسم بألوانه الشمعية تحت طاولة القهوة، الأريكة الصفراء التي وزعت الوسادات الملونة عليها بشكل عشوائي، لوحة معلقة فوق الأريكة تحمل نقوشاً خارجة عن المعتاد ،المصابيح التي تسلّط الضوء على اللوحة لم يكن لها وجود على أرض الواقع في المنازل التي أعرفها، الدراجة المعلّقة بشكل طوليّ على حائط المدخل ” هل كان هناك من يعلق دراجته فعلياً داخل المنزل ؟”،آنية الأزهار بجانب الأبجاورة، الأكواب الزجاجية النصِف ممتلئة على طاولة القهوة والإناء الذي يحمل التفّاح الأخضر في منتصفها ” هل هناك فعلاً من يستخدم التفاح كزينة في العالم الحقيقيّ؟”،صورة ضبابية في الخلفيّة لأم مبتسمة تقف خلف طاولة الطعام من المطبخ المطلّ على الغرفة وبيدها وعاء ضخم من الباستا “هل هناك من يقدّم الباستا بهذه الطريقة وقتها؟ “،الشمس تكتسح المكان، أصايص الزرع تنبثق من الأركان و الأرفف، الستائر المنسدلة بدون تكلّف، الكرسيّ الهزاز الذي لم أكن اراه إلا عند جدّ هايدي، الشال الذي يتدلّى من كتف الأريكة لطالما كان يثير لديّ الرغبة في التدثّر به حين العودة للمنزل بعد يوم طويل ..

كنت الفتاة التي تعيش افتراضياً في مجلّة إيكيا، لا يهمني العدد كان قديماً أو حديثاً ولم يكن يحبطني أني لا أستطيع اقتناء أيه قطعة أثاث منها في ذلك الوقت، كان غرقي سرمدياً ممزوجاً بالصورة والكلمة، بالعبارات التسويقيّة والوصوف التي كانت تشدّني لاقتناء الكوب منهم وإن كان يٌباع مثله في المحل المجاور.
في المجلة نفسها كانوا يختارون إحدى المصممين ويعرضون قطعهم، كنت أتتبع خطّ الإنتاج وأجد النمط الذي يميز كل مصمم عن الآخر، كنت صغيرة جداً لأستوعب أني أقرأ المجلة بشكل مختلف عن البقيّة، كنت ألمس الكلمة وأقرأ الصورة وأعيش في منزل ورقيّ .
لقد كان حزني ساحقاً عندما توقفت إيكيا منذ وقت قريب عن تعليق المنشورات المجانية على أبواب المنازل، تظاهرت بأني غير مهتمة وبأني سعيدة لأن الموقع الإلكتروني سينقذ أشجاراً كثيرة من القطع، ولكني أفتقد جداً الوقت الذي أصنع به كوب القهوة في الصباح والتقط المجلّة وأختار ركناً لأتأمله، ولطالما انتهى بي الأمر لركن الطفل وألعابه ومستلزماته التي تكفي بأن يبني الطفل خياله من عالم بيونوكيو الخشبيّ وينمو بين دهشة الألوان في عالم بيتر بان .
كانت مجلة” ذي بودي شوب” تساندني حينما تختفي مجلة إيكيا أو تمزّقها إحدى الأيدي الصغيرة، كنت أفرح حينما يعدن خالاتي من التسوق حاملين الكيس الأخضر “لذي بودي شوب” وحينما يستعرضن مشترياتهم كنت أتلقف المجلّة فتخفت الأصوات من حولي وأتلذذ في قراءة الوصف تحت المنتجات ” مرطب شفاه مصنوع من زبدة الشيا الأفريقية ممزوج مع الكرزّ الموسمي ليضفي لشفاهك نعومة وترطيباً طوال اليوم، ينصح بوضعه قبل النوم لتستيقظي بشفاه نديّة ولامعة”
“أحمر خدود بلون مشمشي يٌضفي على وجنتيك تورداً طبيعياً ويمنحك إطلالة انثويّة ولأننا نهتمّ بجودة المنتجات صنعناه من موادِ طبيعيّة لا تضر بشرتك على المدى الطويل “
في آخر المجلّة التي كانت لا تتجاوز العشرين صفحة تكون صفحة منتجاتي المفضلة ” الأطفال يحبون ذي بودي شوب، وهي تٌحبهم أيضاً”
وأعيد قراءة الصفحات كلما وجدتها أمامي بنفس المتعة الى أن تذبل الأوراق أو تٌصادر في صناديق إلى المخزن العلوي.
كانت تلك الأيام ترسم لي طريقاً من دخان ولكني لم أكن أدركه لازدحام الأحلام وتشتت الطموح والرغبة بالركض للأمام وإن كان الطريق خاطئاً.
أدركتٌ الآن أن صناعة حلمي أبسط من المشي في الأروقة بحثاً عن وظيفة بدوام كامل، صناعة حلمي الآن تكمن في اقتناء مكتب جميل” كالمكاتب التي تأملتها قديماً في مجلة أيكيا” ونافذة مطلّة والكثير من ضوء الشمس ونبتة تنبثق من الزاوية، والكثير من الكتابة لإعادة تدوير الجمل التي قرأتها لعملاء آخرين كانوا يحبون أيضاً مجلّة أيكيا.

نصوص للبيع!

افتح صدرك للنور،قلل من تكثّفك،تخفف من أفكارك الثقيلة، صدّ الباب في وجه الريح العابس،اقطع طريق جيوش القلق الزاحفة ،اغسل قلبك انشر ذراعيك،تنفّس وكأنك تنتقم من شحّ الهواء،وازفر كما لو انك تطرد دخان الأسى من داخلك .

في محاولة للقبض على فكرة مضيئة بين حشود الضجيج المظلمة أكتب،في محاولة لتصويب السهم في قلب دائرة الاحتفال بالانجازات الصغيرة أكتب، في محاولة لإيجاد شيء ما أستيقظ من اجله أزيح الستائر وأنفض النعاس وأعد كوب القهوة ،لأخلق من خيالي صديقاً أقرأ عليه ترهاتي وأصب في فنجانه الوهمي قهوة من هواء،وأنتظر بحماس أن أنتهي من النص وأقرأ عليه بصوتي الرزين افكاري الضبابية .

أن اتسلح بالأمل واناضل لأجعل مرآتي أكثر وهجاً،أن أحرص أن لا تلطخها أيدي الغرباء ولا تخدش سطحها مسامير التفاهه .

أجلس على الرصيف،أبيع نصوصاً للعابرين، أزن ثقل مشاعرهم بكثافة الكلمات،واقبض بها ثمن كوب قهوة وابتسامة،وأعود تاركة خلفي قفزات الانتصار القصيرة بنصّ يشبههم .

وأعود من حيث أتيت أدير المذياع، تصدح فيروز وأغسل الأكواب المتسخة من سهر البارحة.

نشرتُ اعلاناً بالأمس عن استعدادي لأكون وسيطة بين أرواحكم وكلماتكم،تكون الكلمات أحياناً عدائية وشرسة لاتقبل الانهمار للأصابع النظيفة التي لم يلطخها الحبرأو لمن لم تترك أزرار الكيبورد ندبات النقر على اصابعهم،استطيع ترويض القلم وتطويعه من أجلكم ليتفق مع مشاعركم، مايهمني هو ان لا يغلف الصمت أفواهكم وتقفون عاجزين عن التعبير.

وفي نهاية التأمل لايسعني الا ان أشكر حساب مرجع التدوين العربي على الفعالية واتاحة الفرصة لأقلامنا بالركض الماراثوني،ظننتُ اني سأستلم في منتصف الأمرعندما توقعت أن تفرغ جيوبي من الأفكار وأفلس لغوياً. لكني تحديت نفسي استمريت وفزت بأقلام صديقة سررت بالتعرف اليها .

شكراً لكم .

٢٩مارس٢٠٢١

حزنُ جانح وأيام تنتظر دورها للعبور.

تمنيتُ أن أكتب اليوم بمشاعِر أكثر خفة،ولكن حُزني الثقيل أغرقني في وحل الكآبة.

أحزاني القديمة تصطفّ واحدة تلو الأخرى وتبدو ابتسامتي المنحرفة سداً عارضاً يمنعها من العبور،المواقف الطريفة أواختلاقها تبدو ضئيلة جداً كشاحنة الحفر القزمة التي تحاول تحرير الجسم العالق هائل الضخامة مما يجعل الأمر برغم كارثيته يبدو مضحكاً.

روحي شفافة جداً تخترقها الأخبار المسننة،ويفتق نسيجها الحساس ماتتناقله وسائل التواصل من أنباء دامية. كرثاء شاب لفظه الوطن فاختار ان يموت معلقاً حتى لاتمس اقدام كرامته الأرض،خبر الطفل الذي لقي حتفه وحيداً عالقاً في حمام شقة مهجورة،اتخيل صراخه وخوفه من الظلام أشباح الجوع والوحشة وهي تفتح عينها البشعة أمام وجهه، بحثه عنه يد أمه بين شقوق الجدار، نظره المعلق على السقف منتظراً ان تفتح فيه نافذة وتأخذه يد حانية كبيرة لحضن أبيه، لرائحته التي يُحب ولأيدي عائلته التي ستنفض عنه غبار الخوف الخانق .مات وحيداً وترك قلبي ينتحب خلف ملامحي الموشكة على الإنهيار.

خبر آخر لايخص العالم، شقّ صدع في القلب، ولكني أتماسك وأنادي القطة الجديدة على العائلة وآخذ من عينيها البريئتين تلك النظرة المطمئنة حينما أمسح على ظهرها بيدي، تخرخر بوداعة واتذكر أن يد الله الرحيمة قادرة كفاية لتزيح بهدوء وسلاسة الحزن العظيم الجاثم على صدري،وتفتح المسار لقوارب الأيام الصغيرة بالعبور.

٢٨ مارس٢٠٢١

مزاج صحو.

image

في محاولة أن نجعل يومنا يبدأ بشكل أنيق .جاهدت منذ فترة طويلة بأن أمتلك مفاتيحي الشخصية ليوم أكثر فعالية ولأن تكون حلقة بداية يومي في يدي، لم يكن الأمر سهلاً فقد مرّ وقت طويل لأرتب المهمات الجوهرية للساعات الأولى في الصباح، كيف سأقضيها؟ وكيف تنعكس مرآة ذلك الصباح على بقيّة اليوم ..
كنت أضحي بالساعات الأولى في سبيل النوم .أفضل أن أخذ كفايتي التامة ظناً مني أنه سيجعلني أكثر نشاطاً. ولكني لاحظت أن مزاجي يكون شائكاً جداً وعصبياً، بصفتي انسانة تحب قضاء ساعاتها الأولى من بعد الاستيقاظ بالصمت، وأفضل عدم الخوض في اية جدال قبل احتساء القهوة وفتح النوافذ.
كان استيقاظي في نفس الوقت مع عائلتي يصيبني بالتوتر، تنفجر الطلبات في وجهي، ويكثر الجدال مع الأطفال في محاولة اقناعهم بغسل اسنانهم وتبديل ملابسهم، ويأتي دور الإفطار وترتيب الأسرّة والانهيارات التي بلا سبب والصراخ الذي يجعلني أتمنى أن أختفي ولا أعود الا بعد أن تهدأ الأمور ..
كنت أكافئ نفسي في السهر، واكتشفت لاحقاً اني كنت أتضرر من متعة البقاء وحيدة في الظلام حيث الهدوء بعد الضجيج وشمعة عطرية تفوح رائحتها لتصيبني بالخدر فيسقط الكتاب من يدي وأغوص بالنعاس ولا أنجز شيئاً أحبه، كنت أدفع الثمن بالخمول وأعجز عن حمل رأسي الثقيل إضافة للفوضى التي تحدث وذكرتها أعلاه.

كان عملي خارج البيت لفترة مؤقتة السبب في إختراعي نظاماً يشبه مزاجي الصباحي الصحو ..كنت أنام مبكراً وأترك كل الأعمال التي لم تعد طاقتي تكفي لإنهائها،وأصحو قبل وقت العمل بثلاث ساعات أنهي أعمال المنزل المتبقية وأجهز ملابسي،أصنع علب الفطور للأطفال وأصلي الفجر في وقته ثم انطلق للعمل وأنا سعيدة بمزاجِ مشرق .

فقدت العمل ولكني لم أفلس حقاً،اشتريت ساعات الصباح الأولى بساعات الليل الأخيرة،أستيقظ قبل الجميع أفتح النوافذ،وأقرأ النشرات البريدية وانا احتسي قهوتي،أكتب بمزاج نظيف وصافِ ثم أنصرف للأعمال المنزلية أجهز وجبة الإفطار للجميع ويسير بقيّة اليوم وانا على مايرام.

قمت أخيراً بتثبيت روتين الصباح المناسب، وأحاول أن أجد طريقة لتثبيت ساعة المشي، لم يكن مناسباً لي حشرها في ساعات الصباح، وساعة العصر كانت مناسبة جداً لولا أن الدراسة عن بعد اغتالت ساعات العصر الجميلة مما تسبب في احتضار وقت تمرين المشي .

كان ذلك تأملي لهذا اليوم وطريقتي في الاستمرار بالتدوين اليومي لفعالية مرجع التدوين العربي، هذه تدوينتي الثامنة من التحدي، بقي يومان ويبقى التحدي الكبير بأن يكون التدوين اليومي مستمراً حتى أجد نفسي في المكان الذي أريد والحياة التي أطمح .

باقي من الزمن نصف ساعة.

ربما تكون هذه هي المرّة الأولى التي أكتب فيها ارتجالياً نصاً على الوورد برس على الهاتف، متخطية صفحتي البيضاء الحبيبة على مفكرة جهازي المحمول وبدون أن الصق النص على صفحة الوورد ليساعدني في التنقيح والتدقيق الذي أقلق بشأنه دائماً، محاولة ان يبدو النص أنيقاً وان لم يقرأه أحد.

ربما سيكون الأمر يبدو عفوياً وكارثياً كالمرّة الأولى التي فتحتُ فيها المايكروفون وتحدثت على تطبيق الكليب هاوس، كان الأمر مربكاً في البداية، لقد تهدج صوتي أمام الغرباء وأفلت مني زمام الحديث وتساقطت الكلمات بشكل مأساوي،كان الأمر مخجلاً بالنسبة لي، ارتفعت نبضات قلبي وكأني دفعت على مسرح يحوي الف مشاهد بالخطأ وكان عليّ ان أتعامل مع الأمر بدون أن يبدو شكلي مضحكاً أو يثير الرثاء .

المرّة الأولى لكل شيء غالباً ما تمتلئ بالفجوات،في كل مرة بعدها ترقع الفجوة حتى يصبح سطحها أملساً ويسهل التعامل معه ، هكذا اقنع نفسي لأرمم ثقتي بعد كل مرة اتعثر بها بالحاجز الأول.

كانت المرّة الاولى أيضاً التي اكون في مقعد الراكب بجوار صديقة العمر ، كان انطلاقنا بالسيارة أمراً يستحق البهجة والتأمل ، كنت استرق النظر اليها وهي تقود بصبرِ وبراعة ، اكتملت في عيني صورتها المثالية دائماً وكأن القيادة كانت البرواز الذهبي الذي يجعلها كاملة أكثر في عيني .

كان يوماً سريعاً وجميلاً بدأ بمناقشة لرواية أحببتها وتخلله كوب قهوة لذيذ مع الصديقة الجميلة ، العامل في متجر تنسيق الهدايا كان لطيفاً، عامل الشاورما الذي أخطأ بالطلب وحاولنا ان نتجاوز الأمر بأكلها في السيارة ونحن نستمع لأغانِ تافهة في طريق العودة وننسى ما حدث، وها أنا أحاول ان أفي بوعدي وأكمل اليوم السابع من التدوين قبل أن تدق أجراس منتصف الليل .

أحجية من ألف قطعة!

فيلم Puzzle 2018 Web-dl مترجم

“أحجية من ألف قطعة ” أعتقد أنها بهذه الجملة وصفت نفسها، الكثير من القطع المكتملة من جانب، ومبعثرة من جانب آخر، ومفقودة وخالية في المنتصف حيث يقع القلب، وقطع وضعت في المكان الخطأ من الروح لأعوام كثيرة حتى اعتادت هي عليها ولم تكتشف أن هناك خلل ما لا حينما شاهدت القطع الأنسب في الوقت الخاطئ للأسف..

في محاولة البحث عن معنى جديد للحياة، غير تلك التي اعتادت عليها لفترة طويلة حتى كادت أن تنسى أن هناك عوالم أخرى تحيط بها، وسماوات ممتدة تسبح فوقها.

كانت تظن أن الحياة تسير على هذا النحو لجميع الناس، ينحصرون في بيئة مقننة ويبنون حوائط لانهائية حتى لا ينتشروا للمدى الذي يصعب عليهم أن يجمعوا أنفسهم منه..

عجلة الأيام تدور ببطء تمرّ على نفس الأشياء ونفس المواقف ونفس ردات الفعل في كل مرّة، يجعلها ذلك تشعر بأنها أكثر أماناً وأوفر حظاً من البقيّة ساكنة تماماً وان أحاط بها الضجيج. كُسر صحن ما وضاعت قطعة منه في الأرجاء فزحفت على أطرافها بحثاً عنها تحت الأرائك رغم أن المكان يضجّ بالحديث والضحكات والمجاملات الا أنها آثرت أن تتبع القطعة المفقودة وتنشغل بها، كأن هذا العالم برمته لا يخصّها. كانت تنتمي للجوامد من الأشياء وتشعر براحة عظيمة في التعامل معها.

ذلك الصخب كان صورة للاحتفال بعيد ميلادها، صنعت كعكة ونسيت أنها لأجلها وأطفأت الشموع ببرود، وكأنها اعتادت على انطفاء الوهج في قلبها البارد.

شخيره المتقطع، رنين المنبه، طلبه لخمس دقائق إضافية قبل الاستيقاظ. أصبحت لعبتها المفضلة أن تنظر الى المنبه قبل الرنين، تنتظر الكلمات المعهودة وتهمس بها قبل أن تُقال وتبتسم بنصر لأنها أصابت التوقيت تماماً وفي الوقت المناسب ثم تنهض من الفراش منصرفة لدفع عجلة الروتين من جديد.

تغيرت الأشياء وبدت ألوانها اكثر سطوعاً حينما قررت أن تستخدم لعبة الأحاجي التي اهديت إليها عشيّة عيد الميلاد من عمتها ” إيملي” وقد مال قلبها اليها أكثر من علبة الأيفون الحديث الذي رفضت استخدامه ناعته إياه بالروبوت الصغير عديم الفائدة، ثم وافقت على مضض أن يكون رفيقها في الخارج والا يستخدم الا في حالات الطوارئ، أحبت علبة الأحاجي أعجبتها بعثرة القطع وإعادة ترتيبها من جديد كان نوع من “السيطرة على الفوضى “كما وصفها شريكها  في مسابقة رصّ الأحاجي الذي التقته لاحقاً عندما سألته عن الجدوى من فعل ذلك ،الشريك الذي التقت به في الوقت الذي انقلبت به موازين حياتها وأرجعتها هي بسرعة أكبر الى ما كانت عليه. لم تستعد توازنها سريعاً، ولكنها شعرت بأن لها الحقّ في إدارة حياتها ،صحيح أنها انحرفت عن الطريق ولكنها أحكمت قبضتها وأمسكت بزمام الأمور وكان لها الخيار أخيراً في العودة لعشها الآمن. أعادت ترتيب حياتها بشكل شعرت به بالرضا وكان يكفيها ذلك.

محال أن تبدو الصورة مكتملة تماماً فلابد من النقائص لأن الحياة ليست عادلة، ولكن على الأقل ليست هناك قطع خاطئة في الأماكن الصحيحة أن تكون خالية ذلك هو الخيار الأسلم.

القطعة المفقودة من الصحن المكسور، عثرت عليها حينما خلعت حذائها ودهستها حين عادت إلى المنزل، آلمها ذلك جداً وقد يكون خطأها الذي عرفت به معنى أن تمسك يداً حانية على قدمها وتطلب منها أن تخبرها حين تتألم، لم يكن الأمر بالسابق يجري على هذا النحو، ولكن الانقلاب أحدث انفجارا لمشاعر كانت لا تظهر على السطح.

قراءة متواضعة لفلم عميق، قد يبدو تافهاً للبعض، ولكني كنت أدور على الطاولة وقت المشاهدة حاولت أن أصنف المشاهد حسب ألوانها ثم أكتبها تبعاً لنصيحة شريك المسابقة لأسرع في حل الأحجية، ولكني قررت ان أحلها بطريقة “أغنيس” القديمة أجعل حدسي ما يقودني للكتابة فقط بلا تكنيكات حديثة أو طرق تجعله جيداً أكثر.

كفرون 1990

أشرطة فيديو أفلام كرتون قديمة

لا أعلم لم حين أبدأ التدوين غالباً ما أكتب تحت وطئه موقف أو شعور يمسّ طفولتي. التي لم تكن صاخبة أو مؤلمة. على العكس فقد كانت عادية جداً وبسيطة يرجع ذلك بأني نشأت في قرية بعيداً عن الصخب والأسواق ومدن الملاهي..

 نهاية العام كان وقتاً مفصلياً لأحداث عدة. بدءاً بالسبورة الخضراء التي ترعبنا فمنذ أن نقرأ فيها العبارة المكتوبة بالطبشور:

” اختبارات الفصل الثاني من العام 1414هـ

 للصف الخامس الابتدائي المادّة: رياضيات

الزمن: ساعتان

الفترة:الأولى

مع تمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح

معلمة المادة”

كانت العبارة أعلاه شبح ترى أثره على وجوه الطالبات الصغيرات، لوجوه المتيبسة من الخوف، ارتعاشه الشفاه وفرك الأيادي الأعين الذابلة من السهر وقلّة النوم.

لا تكاد أيام الاختبارات تنتهي الا وقد شعرنا بأن القيود كسرت فنركض في الساحات بعشوائية وينتشر الشغب اللا مبرر، تقذف بعض من الفتيات كومة الأوراق في السماء تعبيراً عن الخلاص، وتشقق الأخرى رزم المراجعات بعصبية ونشوة، تصرخ علينا وكيلة المدرسة فنتراكض كالفئران ونجمع الفوضى ،نودع بعضنا بحرارة مع أننا سنلتقي مؤكداً في بقالة الحيّ أو نلعب سوياً في الباحة المقابلة للمنزل .

كانت طريقة أبي لاستقبال العطل الصيفية مختلفة قليلاً، لم يحدث أبداً أن قامت أمي بعمل حفلة نجاح رغم إصرارنا أنا وأخوتي وحينما نذهب لأبي ونطالب بشراء كعكة يقول مازحاً لتصنع امكم دجاجة مشوية ولنضع فوقها شمعة ونحتفل! كانت تلك المزحة تصيبنا في مقتل فنجرّ أنا وأخوتي أذيال الخيبة ويجد الصغار سبباً للبكاء.

ربما كان أبي بعيد النظر، فالحفلة والكعكة شعور لحظي سيختفي سريعاً، فيذهب للمدينة ويأتي بصندوق يحمله متهادياً الى الصالة، ننفض عن ايدينا التراب الذي كنا نلعب به أمام باحة المنزل. ونركض جميعنا لنتفقده، نفتحه بحماس ويشاركنا في ذلك أطفال الجيران الذين أصابهم ما أصابنا من فضول. نفتح الكرتون ،بينما يتهاوى أبي على الأريكة ويراقب ردات فعلنا ..

نفتح الكرتون ونصرخ بسعادة “أشرطة فيديووو” ونقلب بين يدينا مجموعة ضخمة لأفلام الكرتون تكفينا أن نقضي بها على الملل في العطلة .كنا متعطشين وقتها لأفلام الكرتون فهي لا تعرض سوى نصف ساعة وقد يقطعه علينا سباق الخيل ونصاب بالإحباط.

كانت المجموعة تحوي على أفلام منوعة ومسلسلات كرتون مدبلجة لم يعرض بعضها على التلفاز، لبنى السريعة، رحلة عنابة، صبي الأحراش، بوليانا، لحن الحياة ،ولأنه يقوم باختيارها عشوائياً فتكون هناك مسلسلات بأجزاء ناقصة ولكن خيالنا كان نشطاً لنحزر ما قد فاتنا منها.

ويضع البائع أحياناً أفلام واقعية للأطفال. لم نحبها في بداية الأمر وعندما كبرنا نكتشف أن ذائقتنا تتوسع وتنضج ونريد بسرعة أن ندخل عالم الكبار .

“ضيعة كفرون” كان أحد تلك الأفلام الذي طالما أدخلناه في جهاز الفيديو ثم اصابنا الملل واستبدلناه بآخر، كان فلماً سورياً يحكي قصة معلمة من المدينة “مادلين طبر” تنتدب كمعلمة لضيعة بسيطة ” كفرون” تجزع وتخاف في بداية الأمر لنظراً لاختلاف الحياة بين المدينة والقرية النائية. تبحث عن سكن فلا تجد سوى غرفة متواضعة لدى” سمية الجزائري ” وابنها ودود “دريد لحام ”

لا أعلم كيف تذكرت الفلم فجاءة وهرعت لليوتيوب وكتبت اسم الأغنية التي انفقأت في عقلي كفقاعة!

زينو المرجة والمرجة لينا ” شاهدت الفيديو وإذا بسيل من الدموع لم أجد تفسيراً لجريانه، وأخذني الفيديو لمقاطع كثيرة للفلم وانتحبت أكثر وأنا أقرأ تعليقات من جرفهم الزمن ولم يترك لهم مكان أكثر أماناً من الذكريات.

 الجو عاصف الآن ،أصفر وممتلئ بالغبار كذاكرتي التي أثارها مقطع الفيديو.

ذاكرة الصور

يحدث أن تكون بحاضرك بكامل شعورك منغمساً في اليوم نفسه تبدد ساعاته في مشاهدة شيئ ما، أو أن تتخلص من مهمة مجدولة، كذلك حان حالي ليلة الأمس ، حتى وصلني إشعار من إبنة عمتي الصغرى وأسفله تسجيل صوتي،فتحت الرسالة واذا بها صورة جماعية سحبتني للماضي اللذي لا أعرف صفته كانت صورة جماعية لأبناء العمومه أتوقع انها التقطت في بداية التِسعينات مررت نظري على الاشخاص ياااه كيف تبدلت بنا الأحوال! من خلال السورة توقعت أن هناك صلة حميمة بيننا وان تفاوتت الأعمار مقتربين ليظهر الجميع في الصورة ومرتبين تصاعدياً كي لايغيب وجه الصغير بين الأجساد الكبيرة وكاد أن ينجح هذا التكنيك لولا أن تم حشر “أحمد” بسرعة وتلتقط االصورة ويبدو رافعاً رأسه كفأر صغير، من المؤكط ان الكاميرا وقتها نادرة جداً وذلك يجعلنا نوافق سريعاً على التصوير مهما كلف الأمر وإن كانت ملابسنا كارثية وشعورنا ليست مسرحة ووجوهنا ملطخة بالشوكلاه .
أتوقع أن من كان يلتقط الصورة صرخ في وجوهنا وأتوقع أنه كان شكله مضحكاً لأن البعض منا تجمد شكله وهو يضحك بعفوية والآخرون كانت إبتسامتهم مصطنعة كتلك التي تظهر حينما تقول للأطفال إبتسموا، أما أنا فقد إبتسمت بخجل وتلك كانت عادتي حينما يضحكني شيء.

حولت الصورة بشكل عفوي لمجموعة بنات العمّة ، بدأ الجميع المشاركة في الموضوع بسلسة طويلة من الضحكات وتساؤلات كثيرة حول الأشخاص الموجودين ،ثم حزرنا في أي مكان التقطت الصورة أوه في بيت جدتي انظروا الى الدولاب الخشبي ، تدفق الحنين الى ذلك الزمان وتحولت المشاركة بالكتابة الى تسجيلات صوتية محاولة أن نتذكر شكل المنزل. وتلتها المواقف التي حدثت لنا فيه ثم مخابئ لعبة الغميضة نهاية الى الممر الترابي الضيق الذي كانت تلسع أقدامنا الحافية فيه بقايا الجمر المسكوب من أرجيلة عمّي .
كان وقع الصورة مختلفاً ، منذ فترة ليست بالقصيرة طلبني ابني الكبير عن صورة لي وأنا طفلة لم تترك لنا أمي حرية الاحتفاظ فهي تقفل على البومات صورنا في خزانتها الحديدية وكأنها لا تريد لمن في الصور أن يكبروا أو لا تريد أن تصدق ذلك .
ضحك ابني وأنا أشير الى نفسي في الصورة وكان وجهه مضحكاً من فرط التعجب وكأنه لا يصدق أن أمه الكبيرة دائماً كانت طفلة في يوم ما .