معاينة رواية “موت صغير”

الكاتب: محمد حسن علوان

صدرت عن دار الساقي/ الطبعة الحادية عشرة

عدد الصفحات 591 ،سنة الطباعة 2018

(حاصلة على الجائزة العالمية للرواية العربية بوكر 2017)

تُحكى الرواية بطريقة الراوي العليم على لسان” محيي الدين ابن العربي” الفيلسوف الصوفي بدءاً من ولادته في مرسيّه وحتى لفظه لأنفاسه الأخيرة في دمشق.

الرواية مجزئة 11 سِفراً.* يبدأ  كل سِفر منها بعبارة بارزة لصاحب القصّة وفي نهايته رسالة أو قصّة تحكي عن مخطوطات ابن العربيّ، عن الأيدي تداولتها وكيف حفظت المخطوطات من التلف وإلى أين استقرّت.

سرد علوان رحلة المتصّوف بقلم يأخذك من زمنك الحاليّ إلى العصور الأندلسية فتظل متجولاً مع محيي الدين ومُريديه* تارة راكباً بغلته أو ملتحقاً بقافلة مع مسافرين آخرين. حيث قضى محيي الدين عُمره سادراً في أرض الله فتعرف منه كيف هي أحوال الخلق والمسلمين في أشبيلية والمغرب وبلاد الشام ثم تسافر معه ماشياً إلى مكة بأقدام قرضها التعب والقيض برفقة مريده الأمين بدر.

 يرحل ابن العربي من مكان لآخر عندما يكشف له في الأحلام أو تسوقه بغلته ليبحث عن أوتاده الأربع في أنحاء البلاد وليطهّر قلبه كما علمته القابلة فاطِمة عندما تنبأت بولايته وهو رضيع قائلة له “طهّر قلبك..ثم اتبعه”

قبل أن اقرأ الرواية لم أكن أعرف إلا القليل عن المتصوفين وصراعاتهم الأزلية مع الفقهاء والفلاسفة. لقد فتحت لي قراءة الرواية صندوقاً ليس له قرار وأسئلة تتوالد بشأن المتصوفين وطقوسهم الروحانية وصراعاتهم مع المخالفين والمؤيدين والساكتين عنهم. فتح لي هذا الكتاب أبواب للبحث والتقصّي.

أنا هنا أضع إصبعي في عين كل من يقول أن الرواية لا تفيد القاريء. الرواية هي بوابة للركض نحو الأبواب التي تشير إليها الرواية فلا تكاد تنتهي منها حتى تبحث عن مفاتيح لإجابات الأسئلة وتسلك طرقاً تثريك بالمعرفة بالحدّ الذي يقتنعُ به العقل بأنه كافِ.

مقتبسات من الكتاب:

“وكل شيء يمرّ به الإنسان في حياته لابد منه. كل شأن هو ضرورة كل حدث هو حلجة ملحة. كل أمرٍ نمر به من فرح أو حزن، من سِلم أو حرب، من حب أو كره، هو نفسٌ من أنفاسنا لو لم نمرّ به لاختنقنا وعدنا إلى العدم .

***

” كل يوم يمر أجدني أتحول وكأني أرتقي في مقامات سماوية أو أجوز مراحل أرضية.كل يومِ يمرّ أشعر بأنه ليس من عُمري. اقترضته من رجل ما لايحب السعادة.”

***

– ماذا تفعل هنا ؟ أتعيش وحيدا؟

– وحيداً؟ بل كنت وحيداً بينكم. الآن معي الله.

لم يكن الكتاب الأول الذي قرأته لعلوان بالطبع. دهشت بأسلوب علوان ورشاقة حرفه من أمد بعيد فلا أكاد أمسك بكتاب له حتى تنفجر بوجهي قنبلته اللغوية سالبة عقلي وخيالي. قرأت له سقف الكفاية، صوفيا، والقندس التي سأعيد قراءتها قريباً بإذن الله

هذه مراجعتي الأولى عن الكتب التي سأنشرها في مدونتي، في التعليقات الموجودة أدناه سيسرني أن أعرف إن توفقت لكتابة المراجعات لأجعل من رغبتكم سبباً في المضيّ للأمام

*معني سِفْر

  1. .كتاب.”أَلَّفَ عِدَّةَ أَسْفارٍ”
  2. جِزء مِن أَجْزاء الكتاب المقدَّس المسيحيّ.

لنسلم أمرها للريح..لنفسح لها الطريق لتمرّ.

لاتولد الأيام دائماً بصباح مكتمل. تولد أحياناً بصباحات معطوبة ناقصة تدبب أطراف مزاجنا اللين وتخدش براءة الساعات وتوخز الثواني لتسرع وصولها لآخر الليل .

حينما أكون بخير على الصعيد النفسي فلا تقلقني مشكلة أو يقتلني أرق. أستطيع سدّ الشرخ بكوب شهيّ من القهوة أو قطعة من الحلوى التي أحب. بموسيقى فاتِنة أو بإطلاق قدمي للمشي ولو في المنزل. بكتاب يطربني أو مكالمة مع عزيز قريب للروح .لا أعجز أمام إصلاح المزاجات المزعجة العابرة . هناك ذخيرة كبيرة من السعادات الصغيرة التي أحتفظ بها بجيبي وأنعش بها ما ذبل منها ومال.

لكن هناك أياماً يصبح فيها المزاج يابساً ككومة إسمنت يبقى صلباً برغم الحلول المختلفة التي تنجح عادة. لقد صادفت احدهم اليوم ومع الأسف أنه يوم عطلة. اليوم الذي يتيح لك قضاء عدداً مفتوحاً من الساعات في السمر والمتعة.

لقد قفزت للرفّ الأخير من خزانة الذخائر حينما عرفت بأن العاصفة في الذروة. اخترت الخروج من المنزل لوحدي كحل طارئ. مطبات كثيرة مررت بها حتى وصلت إلى إحدى المقاهي التي كنت أظن بأنها ستنجح في فكّ العقدة فلم تهدأ العاصفة في صدري. قفزت للتسوق ولم يجدي الأمر وعدت للمنزل لأواجه بمزاجي المشروخ شجارات متقطعة تمنعني من الإبحار في كتابي. محاولاتي في فكّ النزاعات ضاعفت من التضخّم. ومرض إحدى أطفالي جعل العاصفة شائكة ومتوحشة. العطل في صنبور مياه المطبخ حوّلها لإعصار متوهج لا يكاد يستقر بضرباته على الحوائط والأبواب

لا أحب أن يرى أحد وجهي المتخشّب. تمنيتُ لو أن من السهل أن أقصد البحر وأجلس ساعات أمامه بلا حراك وبصمتْ لا يستفزه حتى هدير الموج ومداعبات النسيم. ربما يبدو هذا الأمر مستحيلاً لظروفي الحاليّة فخفضتُ سقف توقعاتي فتمنيت أن أجد مجالاً للصمت في قعر داري. استدعيت مزاجاً يمكنني به متابعة السير مع محيي الدين العربي في رواية ” موت صغير” ويتيح لي الكتابة في جو هادئ ورزين. وبما أنني أكتب الآن فهذا يعني أن الاعوجاج اعتدل والحمدلله والتأرجح الشديد سكن. وتقزم الإعصار واختفى خلف الأريكة السوداء .

ما أريد قوله أن محاولاتنا لا تجدي أحياناً في تهدئة الشعث من المشاعر. المحاولات المتكررة للإصلاح قد لا تجدي نفعاً وتزيد الأمر سوءاً فوق السوء. لندعها تمرّ فقط بهدوء وتذهب إلى حيث يستقر بها الأمر. الاستسلام ذكاء في المعارك التي تحتدم في الداخل.

الهواء اللين يعبر النافذة ويهدهد النوم في عيني..والاستسلام اللذيذ هو مايقع على الجسد من سُلطة النُعاس.

تُصبحون على خير وعلى مزاج يانع وأخضر.

هيفاء

الأيام التي من أجلها رتبنا الصالة.

أتزوّد بالأيام الحُبلى بالفرح..أستعد للتخمة من الضحك أفتح نوافذ رئتي على مصرعيها لتدخل إليها بالونات الأعياد وزغاريد الفرح .في الأيام السابقة زارتنا الأيام التي من أجلها رتبنا الصالة وفتحنا النوافذ وأشعلنا البخور الطيّب.

لم أعهد على روحي تلك الخفّة ومرّ زمن لم أشعر بأني خارجة عن سيطرة الجاذبية الأرضية، شعرت بأن عقداً ونصف أختار أن يختبئ من سنوات عُمري ليعيد لي أكتافي عارية من حقائب المسئوليات.

كنت هيفا ..هيفا فقط..التي تستيقظ لتزيّن شعرها وتطلي شفتيها بابتسامة وتنتعل الرقص وتسلم جسدها للموسيقى وأذنيها للهتاف وكفوفها للتصفيق. لم أعهد على نفسي الكتابة عن الفرح والسعادة والأعياد..ولكني شعرت بأن هذا الأسبوع يستحق بأن تهجر من أجله كل الطرقات التي تفضي للمشاعر الرمادية .

من اللحظات التي سأظل أتذكرها باليوم الذي سبق زفاف أعز صديقاتي مرّ بي أبي وأنا أقرأ بريدي الالكتروني ..أسعدتني رسالة من قارئ لمدونتي علّق بها على قصّتي الأخيرة. الحقيقة أنه مرّ زمن طويل منذ أن وصلتني آخر رسالة شخصيّة عبر البريد. رأى أبي انغماسي بالقراءة وقال قصّة أم مقال؟ فقصصت عليه محتوى البريد، ورأيت ابتسامته التي كان يضعها على شهادات تفوقنا في صفوفنا الأولية وقال إذا أنتِ نجيبتنا المحفوظة القادمة؟

لم أستطع منع نفسي من الضحك ولم أفسّرها كتهكم أو رفع سقف للطموح أو دفعة للاستمرار أو التقدم .. قبضت عليها طويلاً فقط ووضعتها كدبوس مُضيء على ورقة تقويم ذلك اليوم.

أما زفاف صديقتي كان حدثاً كونياً في مجرّة حياتي. لم أستطع إطلاق مشاعري المغمورة ، كنت أكثر من الابتسامات لأستحثها على الخروج، لم أشعر بأني وحدي في منطقة الحياد. عرفت أن شدة الفرح أحياناً تقف كحاجز عن التعبير. مالت عليّ ابنتها الصغيرة والتي تعرف تماماً أن ما يختلج بقلبي لا يختلف عن ما تشعر به..قالت لي : “أنا موعارفة أعبر عن مشاعري ولكني أعرف اني فرحانة جداً وسعيدة” ضممتها وقلت لها أنا مثلك يا همس .. لندعو الله أن يجعل عروسنا بيضاء دائماً ومحلّقة وسعيدة ..وأن تهطل عليها دعواتنا كبتلات الورد الذي نثرتيه على طريقها..نُحبها ونود دائماً بأن تبقى كما هي..لامعة دائماً لا ينطفئ لها وهج ولا تبهت لها ابتسامة.

حينما انتهيت من الكتابة عرفت أن تدوينتي التي تحدثت بها عن السعادة كتبتها مصادفة في #اليوم_العالمي_للسعادة، وتلك إحدى المصادفات التي أنعشت الروح وجددت الأمل.

تمنياتي لكم بأن تكون لحظاتكم السعيدة مشّعة دائماً وحاضرة.

القلب جوهر، القول عَرض*

لا تهدينا الحياة كل شيء، نحن ناضجين كفاية لنفهم موازينها الغير عادلة ، العبرة فيها أنها تعلمك إن -كنت تريد التعلّم – أنه في كل منعطف قاسِ تمرّ به، يرجع كلّك ويتساقط بعضك في السفح ،قد تنسى ماقد تساقط منك وتستمر بالمضي قدماً وقد فقدت لمعانك ، وعندما تنتهي العاصفة تتذكر ما سقط من جيبك وتفكر بأن تنزل مرّة أخرى بعد مدّة طويلة وتتفقد أشياءك التي تحب وتجد بأنه قد بهت لونها من سطوع الشمس المتوالي، ورياح الليل وسوداه الأدهم ، تأخذها بحنيّة في يدك، تمسح عنها التراب وتضمها لصدرك وتمضي.

في هذه الأيام لأول مرة أحاول اكتشاف منافذ السعادة السريّة. هناك الكثير من الأشياء التي توصف بأنها “سعااااادة” ولكنه طيف، وضباب وأشياء أخرى تختفي كفرقعة.

السعادة مخلوقات صغيرة تختبئ بين شقوق الأيام الصعبة تضيء هناك بخجل. كيف لك أن تمسك يراعاتها لينعكس ضوئها في عينيك؟ هنا تبدأ القصّة وهنا ستشعر بأنك صعدت لمدرّج يتيح لك النظر للأشياء بحكمة.

في اللحظات السريعة التي تنسى بها أن أقدامك تستطيع المشي ببطء، في اللحظات التي تنسى أن تتأمل شخصاً ضاحكاً يقود دراجة هوائية، في الدعوة التي تهمس بها أمك في سرّها حينما ترى الأحفاد يلعبون، في انتشار الشعاع حينما تزيح الستائر في الظهيرة. تضيء اليراعات عندما تلمس الأشياء بروحك قبل يديك.

ليس من السهل أن تقوي بصرك تتبع خيط النور في الظلام الدامس وليس من السهل بأن تبتعد عن الأكتاف القريبة التي تهرع عليها عند الصعاب وتبكي ليس من السهل أن تقفل فمك بالصمت وتبوح في سرّك وفي دعائك للسميع الذي يسمع ما خُفي والبصير الذي يرى مالا يُرى. يلزمك اليقين التام بقدرة الله على قلب كل الموازين بسجدة تمرغ بها جبينك، وبأن تدعو بلهفة طفل بأن يمنحك أسباب السعادة الخفيّة الدائمة، وتعترف من نياط قلبك بأنه وحده لن يعجزه أن يحول تفكيرك ويجعل الجنان المعروشات في صدرك لا في عينيك.

أمر في مراحل قاسية جداً، وحينما جابهتها بقسوة تولد الشرار واشتعلت الحرائق وحينما استسلمت استقريت تحت أقدامها كالطين المُهان، مرّت لحظات نجحت بها بالتماسك فاكتسبت مرونة الزئبق، لمعانه، قوته، قدرة العجيبة سرقة الوهج من الجماد والاحتفاظ بها في داخله دون أن يتبدل لونه أو تتغير حالته.

الجو جميل ولا يسعني الخروج ، لكنه يصلني من الشبابيك المفتوحة يتغلغل في روحي وفي خصلات شعري ويهبني القدرة على الكتابة متجاهلة كل الركام الذي في الزوايا .

“القلب جوهر، القول عَرض، والقول زائل والقلب هو الغرض”*

-جلال الدين الروميّ

“الغريب الذي سقط في فم الوحدة”

“قصة قصيرة”

“هذه الأرضِ ليست سيئة جداً للنوم، ليست كما كنت أشعر بها قبل يومين، لقد أضناني النوم في البداية على فتات الأحجار والصخور. لا تشبه سريري المائل بالطبع، أظن أني بدأت أعتاد على الأمر وأسلّم مصيري ليد أخرى.”

هذا مايدور في رأس راجو المشجوج وشعره الأغبر، يفكر بها في وحدته ويسلى بها عن خوفه في المكان الموحش. يتذكر أنه لا يعرف جغرافية المكان الذي يعيش فيه حتى الآن. لم تكن هذه الحياة التي اختار أن يسافر إليها، ولكن حظه السيء أوقعه في ذلك. لقد جاء للغربة أملاً في العيش بمكان مريح نسبياً، ولكنه وقع في العذاب. فبمجرد أن يفتح عينيه صباحاً وهو يكدح بالمزرعة يعتني بزرائب الحيوانات يطعمها، ينظف روثها ويملأ أحواض الماء ثم يقصد الناحية الأخرى المخصصة للزراعة فيقتلع النباتات المتطفلة ويجمع المحاصيل الناضجة ويسقي النخيل ويتسلق جذوعها الفارعة حاملاً منجله ليقطع جريدها المصفرّ. ينزل أكياس الشعير من حوض السيارة ويٌساعد النعاج في وضع أطفالها وإن تبقى وقت قبل الزوال قد يصلح كرسياً أو ينقل الخردة من مكان إلى آخر، الشمس تطبخ فروة رأسه المٌشبعة بزيت جوز الهند فتتحول رائحته الطيّبة إلى شيء آخر لا يفهمه الا حينما يسدّ أبو صالح أنفه إن اقترب منه. أبو صالح الذي كلما اسند راجو ظهره مرتاحاً إلى الحائط بعد عملِ مضنِ يصله نداءه من بعيد بصوت خشن متحشرج:”راجو! سوي شغل” فيهزّ رأسه ويكمل أعمالاً لا تنقطع الا بمغيب الشمس.

استيقظ راجو صباح ذلك اليوم على الارتجاف المتكرر لبابه الحديديّ من قدم أبو صالح، فتح عينيه بصعوبة. لايزال بدنه المنهك يغط في عسل النوم، أفاق بنصف عين ثم التفت ليكتشف حجم بقعه عرقه على الفراش. نظر الى المكيّف الصحراوي الذي لم يعد ينفث هواء بارداً ثم نظر ببلاهة الى التلفاز الذي يعمل منذ مساء البارحة، التلفاز الغبي الذي يفشل في التقاط الإشارة ويفشل في تسليه وحدته، قفز وهو يلفّ وزاره المشجرّ على خصره وبنصف جسده العاري المتعرق اتجه نحو الباب المستمر في الارتجاج المتزامن لصراخ الكهل، فتح الباب بارتباك  ووقعت عينه على وجه أبو صالح الغضوب وهو يطلق سباباً لا يفهمه، ثم يشير الى هاتفه والسيارة ويلوح له بيديه في إشارة للوداع ثم يشير الى ساعاته ويلف إصبعه نحو اليسار بشكل متكرر، فهم راجو انه سيرحل الآن و سيعود غداً. فهز رأسه يمنة ويسرة إشارة عن الموافقة. نظر اليه الكهل وهز رأسه آسفاً لم يتأكد من فهم العامل الجديد لكلامه، ولكنه اضطر للذهاب إلى المدينة. وقف راجو أمام الباب وهو يضع كفه فوق عينيه ليحمي نظره من سطوع الشمس وأخذ يتابع الكهل وهو يعرج متجهاً إلى سيارته الهايلوكس المتهالكة، كان صوت صهيل محركها يشق الأرجاء وبعد محاولات عدّة استطاع محركها أن يعمل باستمرار لينطلق أبو صالح ويخلف وراءه سحابة من الغبار وراجو الحائر، راجو الذي سيبحث عن تسلية يقضي فيها عطلته الأولى منذ أن جاء الى المزرعة قبل أسبوعين. صنع له كوب شاي، وغمس بها قطعة من الخبز البائت أنهاها سريعاً وانطلق ليتجوّل بحريّة الطير في أنحاء المزرعة، لأول مرة يراها بعين المستمتع، لمس النخيل الشاهق، ومرّ على زرائب الحضائر ولاعب صغار الماعز، تجوّل حول بيت أبو صالح واختلس النظر من النوافذ على غرفه المطلّة على المزرعة، رأى أثاثاً بسيط لغرفة تبدو أنها معده للجلوس، وسائد قاسية محشوة من القطن مسنّدة على الجدران ومساند لاتكاء الأيدي، ومكتبة تلفزيون بسيطة وسقف تتعامد فيه الواح الخشب تتوسطه مروحة زرقاء. حينما كان يتلصص سمع صوتاً من ورائه، كان الصوت لشخصّ يلوحّ له من بعيد ويطلق صفيراً حاداً في الفضاء، التفت راجو نحو الصوت وتذكر أن أبو صالح كان يشير الى تلك الجهة ويحذره من شيء ما في هذا المكان، كان يفصل بين مزرعة أبو صالح والمزرعة الأخرى منخفض رمليّ ثم تبدأ الأرض بالانبساط وتمتد حتى المزرعة الأخرى. يبدو أنها مزرعة مهجورة منذ زمن لأن هناك بعض النخيل الصبور المحاط بالخراب والنباتات الصحراوية. كما أن جانباً منها أصبح مكباً لنفايات لمزرعة أبو صالح والمزرعة التي تليها كان الجسد البعيد نوعاً ما لايزال يلوح ويستمرّ بالتصفير والنداء. تردد راجو في الذهاب إليه ثم فكر بحاجته للرفقة لقد جفّ قلبه من الوحدة، حينما همّ راجو بالتلويح توقف العامل عن النداء وركض لزاوية أخرى مختفياً وراء السور وكأنه هرع لاستجابة نداء شخص آخر، قطع راجو المنحدر الترابي ومشى  في أرض ممتلئة بالأخشاب والنباتات المتطفلة قاصداً مزرعة الصديق المنتظر كانت خطواته قصيرة وسريعة وقلبه مفعم بالحماس، جال ببصره في السماء متأملا  الطيور التي كانت تنقب قنو الرطب على نخلة باسقة فداس على ألواح خشب هشّة مغطاة بالتراب والحشائش فتهشمت تحت قدمه وهوى نحو الأسفل ليرتطم بالقاع الواسع مخلفاً وراءه دوياً وعاصفة من الأتربة  وصرخة لم يسمعها أحد، فقد راجو اتصاله بالزمن لبرهه وغاب في دهشة السقوط والألم. وحينما بدأ الصواب يعود لرأسه الدامي سمع استمرار العامل الآخر بالصفير يسمعه راجو ويتمنى أن يستطيع أن يخرج صوتاً للنجدة، ولكن الألم يغلف كامل جسده.

فتح عينيه بوهن ونظر للأعلى كانت الشمس قد توسطت السماء وشعر بخيوط العرق تسيل على ظهره، تتساقط من رأسه على وجهه مختلطة بالدماء لعق شفتيه المغطاة بالدم والتراب واستجمع قواه ونظر حوله مستكشفاً المكان الذي ابتلعه كفم عملاقة عرف أنه سقط في بئر مهجورة. تحسس جسده وغاصت أصابعه في شعره المبتل، هناك شيء يدبدب فروة رأسه تتبعت أصابعه مسار ذلك الشيء الى أن وقعت في تجويفِ حارق، نزع يده ونظر للأصابع الدامية حاول أن يستجمع قواه ويصرخ ولكن عظامه كانت تعجز عن التماسك تحرك قليلاً حتى اعتدل في جلسته، سحب قدمه من تحت الحشائش وقربها إليه، حينما احتضن جسده تجولت عيناه في المكان، قاس عمق الحفرة السحيقة ببعدها عن السماء، ولمس الحائط الترابي من حوله وحاول الوقوف بإمساك صخره مغروسة في الحائط الترابي وحينما شد جسده للأعلى متعلقاً بها سقطت وتهاوى التراب على عينيه ورأسه، أخذ ينفض التراب من على جسمه ويتحسس الجدران بحثاً عن منفذ للصعود، لم يجد طريقة للتسلق فاحتفظ بطاقته للصراخ، أخذ يصرخ بأعلى صوت يستطيع إخراجه من جسده المحطم، وجلس باكياً وهو ينظر للأرض من تحته، بقايا حشائش جافّة، سعف نخيل يابس، علب مرطبات صدئة، وفي الناحية الأخرى قطّ نافق . حينما رآه طارت رائحته إلى أنف راجو وأثارت غثيانه حاول القيء، ولكنه فشل في إخراج أي شيء من بطنه الخاوي، كان منظر القط بشعاً فالذباب يحوم حول فمه المفتوح وعيناه الفارغتان وجسده المتيبس وشعر بالقرف وهو ينظر لجلده الذي بدأ ينحلّ كاشفاً العظام.

أدار وجهه للناحية الأخرى وأخذ يصرخ شكل هستيري حتى غاب كل شيء في الظلام الا صورة القط العالقة في مخيلته، نفض رأسه عندما تخيّل أنه سيتحول الى ذلك المنظر المثير للفزع فانفجر بالصراخ والبكاء الى أن أخذته سكرة النوم والتعب. في نومه باغتته الأحلام والهلاوس رأى أنه يركض في ممرات المستشفى التي كان يعمل بها في قريته، يركض وراء طفل صغير في ممرات مظلمة باردة، الطفل الصغير يركض حافياً بجسد يشعّ في الظلام، يركض وراءه في الأزقة ويصعد السلالم ويدخل في مستودعات الأدوية وغرف التخزين.. والطفل الصغير يستمر بالهرب، استمر في ملاحقته الى أن صعد على سطح المبنى ووقف على حافّة المِنور، حينما اقترب راجو منه رمى نفسه في هوة سحيقة مخلفاً وراءه صراخاً أيقظ راجو من منامه متعرقاً ولاهثاً من الخوف والعطش.وحينما استيقظ من كابوسه المرعب حدّق من حوله مرتعباً، لقد بدأت الشمس تتجه نحو الزوال، الليل ينسج خيوطه في الأنحاء، استجمع قواه وعاود الصراخ طالباً النجدة لكن كل شيء قد بدأ يستعد للسبات، أطفئت مواطير السقاية وشقشقت العصافير وهي تعود لأعشاشها، وذهب عامل المزرعة الذي كان سيكون صديقاً لغرفته ليريح جسده.

بقيت أصوات الطبيعة فقط لتزيد المكان وحشة وكآبة، رياح مخيفة ونباح كلاب يتوالد في الفضاء. نكّس راجوا أعلام الأمل بالخروج هذه الليلة، وسلّم رأسه للذكريات البعيدة في وطنه. وجوه الأصدقاء، وغرفته البسيطة، ابتسامة أمه وهي تعد العشاء، والحساء الساخن الذي بجانب أبيه المريض، أبناء عمومته العراة يركضون بجانب أمهاتهم وهن يغسلن الملابس في النهر، وجه حبيبته التي تكبد من أجلها الغربة ليبني لها بيتاً جميلاً ويرزق بأطفال ممتلئين.

قضى راجو ليلة الطويلة في نفض الهوام عن جسده والغرق في الذكريات كان النوم رحيماً به فمنذ أن يراه عالقاً في ألمه وذكرياته يأخذه تحت عباءته، ليسلم له راجو جسده المتكفكف في ركن البئر كجنين ضخم غير آبه بالصخور والقذارة ورائحة القطّ التي زادتها رطوبة الجو لزوجة وعفناً. وحينما أفاق فضّل أن يغيب حواسه قصداً في ظلمة البئر ويُبقي على تنفّسه فقط متجاهلاً طقطقة ريقه وغرغرة جوفه، أختار أن يجمّد ما بقي فيه من الحياة حتى يأتي الصباح لينصب رايات الأمل من جديد.

حينما كان قارب الذكريات يحمله من مكان لآخر في غمرة نومه وهلاوسه، تذكر اليوم الذي وصل به إلى المطار حاملاً آماله بالحصول على حياة أكثر رفاهية. فقد اقتطع جواز سفره مجهّزاً نفسه للعائلة التي ستعطيه غرفة واسعة وسيارة فارهه يجوب فيها الخطوط المعبدة موصلاً أفرادها الأنيقين للأسواق والمدارس. فاعتنى بهندامه واشترى من أسواق القرية للملابس المستعملة أفضلها، وارتدى في يوم السفر أكثرها أناقة ومسح شعرة الكثيف بزيت جوز الهند ليبدو وسيماً في عين سيده الجديد، وما أن وصل لصالة الاستقبال حتى لوّح له من بعيد كهل ذو لحية بيضاء يحمل أوراقاً تحت إبطه ويرتدي ثوباً مصفرّ بأكمام واسعة وحذاء مهترئاً ملطخاً بالطين، تجاهل نداءه ملتفتاً للوراء فهذا الكهل الرثّ الثياب لن يكون سيده الذي سيكفل عمله كسائق، ولكن الكهل اتجه نحوه بثقة وأشار بصورته الشخصية في الإقامة وتقدمه وهو يومئ له بأن يتبعه. تبعه راجو بقدمين تجرّ الخطى وأبتلع صدمتهُ وهو يرى السيارة المتهالكة التي حثه سيده على ركوبها، وصل للمزرعة وهو يعتقد بأن الأمر مزحة، لم يترك بلاده وعمله في المستشفى ليعمل مزارعاً، ولكن المزحة كانت ثقيلة جداً ومستمرة فاضطر الى تصديقها مكرهاً.سمع أذان الفجر وتلته شقشقة العصافير المضطربة في السماء، وبوهن رفع رأسه للأعلى وهو ينظر للأفق وهو يضيء ببطء نظر الى القطّ الصريع وظن أن الليل أبتلعه مع كومة اليأس والملل والهلاوس التي كادت تفقده عقله، ولكنه بقي موجوداً.

 راقب راجو السماء حتى ارتفعت الشمسّ تنبأ استيقاظ العمال المجاورون من تشغيل مواطير دفع المياه الى المساقي. فأخذ يعاود صراخه هذه المرّة بأمل متّقد وبهمّة يحارب فيها فكرة بقاءه لليل مرّة أخرى. أطلق راجو هذه المرة تصفيراً عوضاً عن النداء لعلّ جزيئات الهواء تحمل الصوت الحاد للأفق وتنشره في الأرجاء. لقد بدأ العرق يسيل على جسده مخلفاً خطوطاً بيضاء مالحة على جبينه وبدأ لسانه يجفّ وأطرافه ترتعد من قسوة الجوع. وعادت له الغيبوبات الصغيرة لتقصّر من النهار وتأكل الوقت وحينما كان غارقاً في يأسه مغمض العينين شعر بتساقط رمل فوق رأسه. وحينما نظر للأعلى وجد كلباً ينظر للهّوه، فأخذ ينبح له ليستحثه للنباح، كان الكلب صامتاً يحوم حول الحفرة ويشمّ حوافها وينبح نباحات خفيضة الصوت لا تفي بغرض النجدة. كان الكلب يبدو بلا ملامح فالشمس التي تخترق عين راجو تحول كل الملامح الى ظل وتعدم الرؤية وظل راجو ينبح ويصرخ ويقفز ليحفزّ الكلب على النباح لعلّ من يراه يشعر بأن كائناً بائساً قضى يوم عطلته في بئر جافّة. كان اليأس يتسلق أقدام راجو كلما قلت استجابة الكلب وعندما ذهب سقط راجو في حفرة حزنه من جديد وغرق في إغمائه طويلة هذه المرّة.

حاول راجو أن يفتح عينيه عندما شعر بأن الأرض من تحته لينة أكثر مما يجب وأن رائحة القط النافق استبدلت برائحة أخرى يظن أنها مألوفة. أمسك رأسه وشعر بضماد يلف رأسه ورأى بيده أسلاك تضخّ سائلاً أصفر في عروقه. فزع وأحدثت حركته السريعة طنيناً في الجهاز وهرعت ممرضة لتهدئ من روعه وتخبره بأنه في مكان آمن الآن.

كانت الدموع تجري على خديه وتبلل الثوب الأزرق للمرضى. ظن أن آلة الزمن أرجعته للمستشفى التي كان يعمل بها في بلاده البعيدة، لولا أنه حدق طويلاً ورأى من الزجاج المقابل أبو صالح وهو ينظر إليه بابتسامة ناقصة الأسنان وحياة رافعاً يده. دخل أبو صالح من الباب ومسح على رأس راجو المشجوج واساه بنبرة صوت هادئة ولينة حتى أنها استفزّت راجو للبكاء أكثر وهو يمسك بيد الكهل كطفل تاه طويلاً بين الجموع. أخرج أبو صالح جهازه المحمول وفتح له ملف فيديو ليرى راجو كيف تم إنقاذه، أراه المعدات التي أنزلت رجال الاسعاف للأسفل ورأى نفسه وهو يصعد من البئر مربوط بحبال كثيرة وتشده رافعة للأعلى. لقد تمنى في سره أن يشهد هذه اللحظة ليمحي ما خطته التجربة المؤلمة من أثر في الذاكرة. ثم أراه أبو صالح الكلب الذي جرّ صاحبه من المزرعة المقابلة للفوهة وحكى بإشارة فهم منها راجو كيف أن الكلب نادى صاحبه ليرى بأن هناك شيء ما فسلّط مصباحاً يدوياً ليرى الرجل الفاقد الوعي ويباشر في الاتصال بالشرطة والإسعاف.

لقد فتح هذا الحادث أبواب الرحمة في قلب أبو صالح وخفف على راجو أعباء عمله في الأسابيع التي تلت عودته حتى ينسيه جزءاَ من العذاب الذي طاله. وفتح نوافذ الامتنان في صدر راجو للكهل الذي بات يصرخ فيه أقل من السابق ويطرق باب غرفته بيده عوضاً عن رجفه بقدمه الكسيحة.

 هيفاء المحمادي

14-فبراير2022

عن راحة السطح..

للفنان/ Kenneth Blom

تختلف طرق البشر في التعبير عن المحبّة، وتصرفاتهم عند البغضاء، وردود أفعالهم عند الغضب، أحياناً يغلبك حسن ظنك بأنك تعرف الشخص. تعرفه جيداً أكثر من نفسه، تعرف نواقصه وفجواته، تعرف منعطفاته ومنخفضاته، وربما حتى تتنبأ بردود أفعاله حين حدوث أمر ما. ليس هذا بالأمر الجيد دائماً، الغور في الأعماق مؤذِ. الغوص بالأعماق قد يكلفك راحة السطح، هادئ وواضح ولا يأبه لما يدور في الداخل، يهمه فقط أن تسير القوارب وتصل بأقل الأضرار. يهمه أن تقابله السماء صافية ومشمسة كما يحب أن تكون دائماً. يغفر غيومها البسيطة، ولكنه يثور بلا توقف إن زمجرت أو أرعدت، سيكلفها ذلك الكثير الكثير من العواصف التي قد لا تتوقف وإن سكنت قد تسكن للأبد فتتوقف القوارب عن المسير. تتهادى في مكانها بصمت الجثث، ويتعاقب الليل والنهار وهي عائمة بلا أمل بالمسير أو الوصول..

البحر غاضب. ساخط لأن السماء رأت أكثر من مما يجب عليها رؤيته. وعرفت أكثر مما يجب عليها معرفته. عرفت أشياء لا يعرفها هو عن نفسه، احتجت على خدش الصواري لضبابها العابر، احتجت على غياب القمر الطويل، على الأيام التي لم تنم فيه من مرور الزوارق بلا توقف، تلوثت بالضجيج، تعبت من طنين البواخر، رفضت أن تضيء شمسها لنواقل النفط التي تهدد حياة الأسماك وتقضي على ملايين المخلوقات. لم يجدر بها أن تحتج. يعتقد وبصرامة بأن عليها أن توافق وبشكل سلمي جداً على كافة الشروط، أن تمر الزوارق الكبيرة وتزاحم الصغيرة، أن تشعل الشمس حتى تلهث، أن تتنازل عن غياب القمر الطويل. أن تغمض عينها عن بقع الزيت وطيورها الغرقى، ليس هناك شيء تفعله سوى أن تغمض عين قلبها وتزيح الغيوم لتمر الزوارق بسلام.

كانت السماء ترى أكثر من اللازم. ليرزق الله شمسها الصبر، ليرزقها اليقين، ليرزقها سطحية البحر، وطمأنينة الأسماك في جوفه.

“خطايانا اللذيذة “

قد كنت أعتقد أنه من الصعب عليّ إنهاء بعض الأمور، ولكني فعلتها! نقضت غزلي بعد أن انتصف، نقضته لأني سأضل أغزله إلى الأبد. لأنه بلا نهاية أو شكل محدد، ولأنه سيطول أكثر سيعرقلني عن المضي قدماً، ترددي الطويل جعلني أتساءل بيني وبيني ألم تشعر “رابنزل” بالحريّة حين قصّت شعرها؟ لا أتذكر قصتها تماماً، كل ما أعرفه أن الأمير تسلق شعرها الطويل ووصل إليها. هل قصته بعد أن تسلقه الأمير لتحبسه معها في عليّة القصر؟ أم أنها قصته لتنحر الأمل كي يصعب الوصول إليها؟ وحتى وإن صعد هل تريد فعلاً حبسه معها في الغرفة؟ هل تريد أن يجرب السجن ثم يطالبها بأن تنزله ليركض حراً في الخارج؟ أما أنها خافت أن تطعنها نظرات الخيبة والندم حينما يشعر بملل السجن البارد الذي تعيش فيه ويلوم نفسه لأنه اتخذ هذا القرار.

محاولاتنا في التخلّي قد تكون مؤلمة، تعتقد أن أمر انتهائك منه سهلاً فتستيقظ صباحاً وتقول نعم سأنهيه بعد شربي لفنجان القهوة، ثم تقول سأمهله حتى المساء، ويأتي المساء مع أطفاله الوحدة والحيرة والأسئلة فتقول لنفسك لم العجلة؟ لن ألعب وحدي معهم أحتاج إلى رفقة، ويطول الخيط وتكثر العقد وتستمرّ في متعة الغزل الفوضوي. تغمض عينك عن الثقوب، وعن الغرز الفائتة وعن الخيط الجيد الذي انتهى لتربطه بخيط آخر لا يشبهه في اللون او السُمك ولا حتى مقاس السنارة فيذهب عرق تعبك في الريح وتكره نفسك لأنك لم تستمع الى صوتك الداخلي وهو يأمرك بالتوقف.

نخطئ كثيراً حينما نتردد في اتخاذ قرار. ونخطئ أكثر كلما اعتقدنا أننا لم نخطئ. فيسوء الأمر عندما نتجاوز بعينين مغمضتين اللوحات الإرشادية والرسائل الربانية عن حتمية التوقف عن الاستمرار وإنهاء الأمور التي ستزداد تعقيداً كلما تجاهلناها.

أعترف أني أكره أخطائي. أهرب منها أولاً ثم وأعود ببطيء واشم رائحتها كغزالة فارّة من أثر الدماء على العُشب. ثم أعود مرة أخرى بخجل صريح وأعتذر عنها ولها. وبشجاعتي الباقية أحاول أن أصلح الأمر ونتفق معاً بأننا لن نعيدها ثانية.

لا بأس باقتراف أخطاء جديدة نحن بذلك نكبر بطريقة مناسبة، يجب ألاّ نهرب من الأخطاء لأننا لسنا آلات لا بد لها من السير على نمط واحد وإلا ستكون قد وصمت بالتلف، نحن ننضج بأخطائنا الجديدة، يحدث أن يتم تحذيرنا كثيراً من الحُفر التي في طريق عودتنا إلى المنزل. ولكننا لن نركض للمنزل بثقة وسرعة إن لم نقع فيها سلفاً، وسيكلف عودتنا للمنزل الكثير من الوقت لأننا سنمشي بأقدام خائفة وخطوات مرتعشة، ستغرب الشمس ونحن نسير ببطء الحذِر الذي يتيح للذئب فرصة مهاجمته من الخلف.

حينما كنت في الجامعة لم أعرف هذا الأمر عنّي، لو لم تشيد به دكتورتي المسئولة عن توجيهي في تعليم السماوات: قالت لي ” هيفاء أنتِ لا تعيدين ارتكاب الأخطاء، أنت تعالجين أخطاءك القديمة وترتكبين أخطاء أخرى وهذا أمر جيد” منذ ذلك الوقت وأنا أتصالح معها، أعترف بها، أسامح نفسي، وأرتكب أخطاء أخرى جديدة، أرتكب أخطاء لذيذة يلزمني التكفير عنها بدعاء غزير ودموع مالحة. أرتكب أخطاء تهزني وتهدمني وتعيد تشييدي. أرتكب الأخطاء لأني أحب أن أكون إنسانة تماماً.

لست وحدك !

Anne Magill

يقتصّ الأشخاص منك أشياءك الجميلة باللطف، حينما يطرحون أرضاً كل الغرور ويركلون الفاظهم الوحشية خارج الأبواب، يُشعرونك بالانتماء ويمسكون بيدك ليجروك لعالمهم الطيّب، لجاذبيتهم الأرضية التي نسيت أنك تنتمي إليها. حلّقت بالفراغ ولوقت طويل جداً، نسيت أنك لك جسداً له القدرة على التفاوض السلميّ، والضحك بلا داعِ وشرب القهوة ليلاً ببجامة النوم. حينما يشيرون إلى جمالك الذي نسيته وبشكل ملّح جداً، وإن رفضته بشكل متكرر قبل أن تتقبله وتحبه وتود أن تهبهم إياه مغموساً بالسكر، مُبتلاً بالعسل.

كنت تعرف بأنك رائع وبشكل كافي لأن تشاهد نفسك بالمرآة كل يوم وتبتسم، لكنهم يزرعون لك حقولاً من الانعكاسات لتتذكر كم أنت جميل ورائع، ويديك دافئة جداً في الشتاء.

أحب الطيبون الذين يبذلون قصارى جهدهم لتكون خطواتهم خفيفة جداً على الروح، أحب طرقهم على الأبواب المسكونة بالغبار في المساء وهم يحملون معهم مفاجآتهم اللذيذة وبالونات ابتساماتهم الملونة لأنهم  يعتقدون من أعماق قلوبهم أنك تستحق ذلك. أحب عطائهم الممتد الذي لا تقطعه الرياح، ولا تذيبه الشمعة المنسيّة في ظلمة اليأس. ومعهم أضوائهم التي يهبونك إياها حين تكون غارق في ظلامك.

قليلون هم ، ولكنهم موجودون وحقيقيون جداً ، فحينما يسقط عكازك تكون أكتافهم أقرب مما يصور لك خيالك المريض بأنك وحيد، ومقصيّ وبعيد جداً عن كل الأشياء التي تعتقد أنها لم تعد لك ولم تعد لها. أنا مدينة جداً لكل الدعوات التي تسربلت من أفواههم وصعدت للسماء، ومرتاحة جداً لأنهم دائماً هنا ومن حولي ينبتون ويتكاثرون كنبته البوتس الوفيّة التي تكتفي بأن تضعها قرب النافذة صباحاً لتستمرّ بالنمو.

كنت أقول وفي نصّ سابق أن الشتاء هو صديقي في غرابة الأطوار ، ولكنهم هم أصدقائي التي أظهر أمامهم وبشكل تلقائي كما يحبون أن يروني .يفهمون أن لي ظلاماً وصباحات كثيرة يحترمون الظلمة ويحبون الصباح ويحتفلون معي حينما يمتد لوقت طويل قبل أن يقضم أطرافه الليل. أصدقائي المقربين البعيدين الافتراضيين والحقيقين جداً، أحب قربكم.

صديقي الشتاء.

جميعنا رماديون في هذا الوقت من السنة* الوقت هنا لا يعبر سريعاً، بل يتوقف. بينما تستمر الأشياء من حولي بالعبور، أنفق الأيام في القراءة والكتابة، وهشّ نواميس التفكير وقرصات الشكّ. يتبقّع جسمي بنتوءات صغيرة حمراء، وتبدأ أظافري عملها بالهرش. تفقدني سكرة الألم صوابي، يعجبني ذلك. يعجبني أن أجمع ألمي في نقطة واحدة من جسدي، أن يصوب عقلي سلاح التفكير عليه، فيتوقف جيشه عن الزحف البطيء الى روحي . انحسار الألم في نقطة واحدة يعني حتميّة القضاء عليه بضربة واحدة، أو بدهان هيستاميني يفقد الجلد ذاكرته فيغرق بالخدر والنعاس.

أشعر برغبة ملحّة بالكتابة تركض ورائي الكلمات تتربص بي من خلف سلال الغسيل وتطل من أكوابي المتسخة وتخرج إلى من خلف الرفوف وصدوع الجدران. أحاول تجاهلها. التجاهل الذي أصبحت موسومة به ومعاقبة به لتمردي، التجاهل الذي سيمتد إلى أن يرضى عنّي جلادي. ليست هناك مدة محددة للعقوبة. تتسع بالصمت وتطول أيامها أكثر لأني لا أرضخ ولا أبكي لاستنجاد العاطفة. اكتسب جسدي حصانة الجفاف فأسقط عنه كل أوراقه كي لا يمن عليه الربيع بالخضرة، اخترت العريّ لأني أخاف من هجر الخريف أخاف من فمه المتسع ورياحه الصفراء. وآثرت الشتاء لأنه يمد لي يداً باردة ويحتويني بالبياض. يغمرني بالثلج ومن أجلي يطيل الليل أكثر. الشتاء صديقي الرمادي الذي أحب وأكره. صديقي الذي يتقن معي اللعب، نحن غرباء الأطوار التي تنفينا مجموعات الأصدقاء الى خارج الملعب فنبتكر لعبة تخصنا وحدنا، نتقبل نواقصنا ولا يلزم أحدنا بإكمال الآخر، نحب أن نبدو غير مكتملين، تبدو الحياة هكذا أجمل حينما تمتلئ بالتناقضات، نثقب معاً عباءات الأشياء الناضجة. ونكسر الإطارات لتتحرر الصور ونفتح صدورنا للمطر عوضاً عن الهرب منه. لأننا اكتسبنا حصانة الإحباط أصبحنا نركض معاً للبقع الموحلة، لم يعد البياض الشهيّ مطلبنا، بل متعة الاتساخ بالطين والضحك بصوت عالي حتى نجرح سكون الليل.

أنا أعيش اليوم وفق شروطي الخاصة وأعمر بيتي بهندستي المعتلّة وأكتب أنصاف الحقائق وأتمرد على كل الطرقات السهلة قاصدة الأكثر وعورة، أصادق الذئاب وأرتدي بكل بساطة ما يريده مزاجي الأشعث.

ليس هناك حل، ولم أعد أبحث عن حلول رفعت كفّي في وجه الجدال وأخبرته أن يصمت. يستحق الجميع أن يعيشوا وفق ما يريدون. وطالما أن الجلاد آثر حبسي فليراقب أطوار وحشيتي. لا يستحق أن يطلب لطفي أو طاعتي أو ينتزع ابتسامتي. لأني سأتحول لزوبعة ضخمة تحيل كل الأشياء من حولها إلى حطام. لذلك أصبحت أؤثر الصمت كي لا تفزع الأزهار الصغيرة من سخط السماوات، لتجدها هادئة. لتجدها طيّبة. قد تبدو غائمة أحياناً، ولكن لها أوقاتها الخاصّة بالإشراق، يحق لها أن تعبث بالندى بنفس مطمئن هذا ما أفكر فيه وأتكفل من أجله بتثبيت المسامير كل يوم كي لا تنتزع العواصف الأشرعة ويرحل الزورق إلى مكان بعيد.. بعيد جداً.

  • *الآخرون ـ صبا الحرز

غائمة جُزئياً

يحدث أن تستيقظ ولا ترى النور. لاتزال عالق في العُتمة والظلام. ورغم ان الحياة تمرّ سريعاً أمام عينك الا أنك تعجز عن إنفاق الخُطى مثلهم على الممرات. تهجرك الشمس توليك ظهرها وتقتسم الخبز مع من تظن بأنهم أحق بالحياة منك.

وعندما يدبّ في جسدك الكبرياء وتهمّ بالرحيل تجد أن الطرق لم تعد صالحة للعبور فأقدامك ضخمة جداً للخطو على أرضِ زجاجية. وأن تذكرة الرحيل ذابت منذ زمن بعيد في بالوعة الوقت. وأن المعاطف أكلها العثّ ولم تعد صالحة للاستخدام. حذائك القديم الذي تعوّل عليه كلما استفزّك الرحيل تخلّى عن أربطته ومدّ لسانه جانباً كالمذبوح، كالجبان. الجلوس تحت أشعة الشمس الغاضبة بمعطف مبتلّ يضعفك والأرصفة لم تعد تبالي بالهاربين والمشردين. جميعهم عالات تضطر مكرهه لحملهم على ظهرها كلما لفضتهم الحياة.

بشكل مضحك!

أخرجتُ مظلتي تحت الشمس. تضحك لأني أتقي وهجها وأنا الغارقة بالمطر. أفتت الخبز للطيور الحبيسة في صدري، ولكنها ترفض الخروج. تخاف حُرية الطيران، تُحب الأمان الرماديّ البارد خلف القضبان تفضله عن غضب الشمس الأحمر وخفافيش الليل.

البكاء الجافّ يصحرني أكثر، يجعلني عرضة لليُباس. كل دمعة تعني أن أخاف. أخاف أن أفقد قدرتي على الريّ أخاف أن تتساقط البذور في جوفي ولا تنبت. أحتاج لقوّة كافية لخلع المعطف الثقيل أحتاج أن أعتاد على خفّة الأكتاف وأحتاج أكثر أن أحرض أجنحتي القاصرة على النمو.

أحتاج أن أتصالح مع مرآتي المكسورة وأن أجمع شظايا وجهي في كل مرّة أنظر بها إلى نفسي.. إلى كل مرّة أعبر بها لروحي. ليمهلني الوقت.. ليتوقف قليلاً عن جرّ عرباته الثلاثون على جسدي، ليعيد لي الحلوى التي سقطت منّي في أول الطريق. ليعيدني للمقعد الوحيد التي أخذتني إليه الخُطى وأنا في غمرة الركض. للنسمة الباردة التي سلبت مني ربطة شعري في صباح يومِ بارد. إلى يده الوحيدة فوق طاولة المقهى.. إلى زمن الجريدة الورقية في يدِ أبي. إلى فرحة فساتين العيد في أكياس أمي.

إلى أشيائي الكثيرة التي تركتها خلفي وما تركتني.

الصورة لـ: kla5i@

13-ديسمبر2021